فصل: فصل: إذا شهد للأسير اثنان أو أكثر من المسلمين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس عام لعموم الخبر فيه‏,‏ ويحتمل أن يحمل على القسمين الأولين من النفل فأما القسم الثالث وهو أن يقول‏:‏ من جاء بشيء فله كذا‏,‏ أو‏:‏ من جاء بعشرة رءوس فله رأس منها فيحتمل أن يستحق ذلك من الغنيمة كلها لأنه ينزل بمنزلة الجعل فأشبه السلب فإنه غير مخموس ويحتمل في القسم الثاني‏,‏ وهو زيادة بعض الغانمين على سهمه لغنائه أن يكون من خمس الخمس المعد للمصالح لأن عطية هذا من المصالح والمذهب المنصوص عليه الأول لأن عطية سلمة بن الأكوع سهم الفارس زيادة على سهمه‏,‏ إنما كان من أربعة الأخماس والله أعلم‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويرد من نفل على من معه في السرية إذ بقوتهم صار إليه‏]‏

هذا في الصورة التي ذكرها الخرقي وهي القسم الأول من أقسام النفل‏,‏ وهو إذا بعث سرية ونفلها الثلث أو الربع فدفع النفل إلى بعضهم‏,‏ وخصه به أو جاء بعضهم بشيء فنفله ولم يأت بعضهم بشيء فلم ينفله‏,‏ شارك من نفل من لم ينفل نص عليه أحمد لأن هؤلاء إنما أخذوا بقوة هؤلاء ولأنهم استحقوا النفل على وجه الإشاعة بينهم بالشرط السابق فلم يختص به واحد منهم كالغنيمة فأما في القسمين الآخرين اللذين لم يذكرهما الخرقي‏,‏ مثل أن يخص بعض الجيش بنفل لغنائه أو لجعله له كقوله‏:‏ من جاء بعشرة رءوس فله رأس فجاء واحد بعشرة دون الجيش‏,‏ فإن من نفل يختص بنفله دون غيره لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما خص من قتل بسلب قتيله اختص به ولما خص سلمة بن الأكوع بسهم الفارس والراجل اختص به وكذلك اختص بالمرأة التي نفلها إياه أبو بكر دون الناس ولأن هذا جعل تحريضا على القتال‏,‏ وحثا على فعل ما يحتاج المسلمون إليه ليحمل فاعله كلفة فعله رغبة فيما جعل له فلو لم يختص به فاعله‏,‏ ما خاطر أحد بنفسه في فعله ولا حصلت مصلحة النفل فوجب أن يختص الفاعل لذلك بنفله كثواب الآخرة‏.‏

مسألة‏:‏

قال ‏(‏ ومن قتل أحدا منهم مقبلا على القتال‏,‏ فله سلبه غير مخموس قال ذلك الإمام أو لم يقل ‏)‏ في هذه المسألة‏:‏ فصول ستة‏:‏ الفصل الأول أن القاتل يستحق السلب في الجملة ولا نعلم فيه خلافا‏,‏ والأصل فيه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من قتل كافرا فله سلبه‏)‏ رواه جماعة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهم أنس وسمرة بن جندب‏,‏ وغيرهما وروى أبو قتادة قال‏:‏ ‏(‏خرجنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام حنين فلما التقينا‏,‏ رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة‏,‏ فأدركه الموت ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ من قتل قتيلا له عليه بينة‏,‏ فله سلبه قال‏:‏ فقمت فقلت‏:‏ من يشهد لي‏؟‏ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ما لك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه القصة فقال رجل من القوم‏:‏ صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي‏,‏ فأرضه منه فقال أبو بكر الصديق‏:‏ لا ها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله‏,‏ فيعطيك سلبه فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ صدق فأسلمه إليه قال‏:‏ فأعطانيه‏)‏ متفق عليه وعن أنس قال ‏(‏قال‏:‏ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم حنين‏:‏ من قتل قتيلا‏,‏ فله سلبه‏)‏ فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فأخذ أسلابهم رواه أبو داود‏.‏

أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبي والمشرك وروي عن ابن عمر‏,‏ أن العبد إذا بارز بإذن مولاه فقتل لم يستحق السلب ويرضخ له منه وللشافعي في من لا سهم له قولان أحدهما‏,‏ لا يستحق السلب لأن السهم آكد منه للإجماع عليه فإذا لم يستحقه‏,‏ فالسلب أولى ولنا عموم الخبر وأنه قاتل من أهل الغنيمة‏,‏ ‏,‏ فاستحق السلب كذا السهم ولأن الأمير لو جعل جعلا لمن صنع شيئا فيه نفع للمسلمين‏,‏ لاستحقه فاعله من هؤلاء فالذي جعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولى وفارق السهم لأنه علق على المظنة ولهذا يستحق بالحضور‏,‏ ويستوي فيه الفاعل وغيره والسلب مستحق بحقيقة الفعل وقد وجد منه ذلك‏,‏ فاستحقه كالمجعول له جعلا على فعل إذا فعله فإن كان القاتل ممن لا يستحق سهما ولا رضخا كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين‏,‏ لم يستحق السلب وإن قتل وهذا مذهب الشافعي لأنه ليس من أهل الجهاد وإن بارز العبد بغير إذن مولاه لم يستحق السلب‏,‏ لأنه عاص وكذلك كل عاص مثل من دخل بغير إذن الأمير وعن أحمد في من دخل بغير إذن الأمير أنه يؤخذ منه الخمس‏,‏ وباقيه له جعله كالغنيمة ويخرج في العبد المبارز بغير إذن سيده مثله ويحتمل أن يكون سلب قتيل العبد له على كل حال‏,‏ لأن ما كان له فهو لسيده ففي حرمانه السلب حرمان سيده ولا معصية منه‏.‏

أن السلب للقاتل في كل حال‏,‏ إلا أن ينهزم العدو وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود‏,‏ وابن المنذر وقال مسروق‏:‏ إذا التقى الزحفان فلا سلب له إنما النفل قبل وبعد ونحوه قول نافع كذلك قال الأوزاعي‏,‏ وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض‏,‏ فإذا كان كذلك فلا سلب لأحد ولنا عموم قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من قتل قتيلا‏,‏ فله سلبه‏)‏‏.‏ ولأن أبا قتادة إنما قتل الذي أخذ سلبه في حال التقاء الزحفين ألا تراه يقول‏:‏ فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين وكذلك قول أنس‏:‏ فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وكان ذلك بعد التقاء الزحفين‏,‏ لأن هوازن لقوا المسلمين فجأة فألحموا الحرب قبل أن تتقدمها مبارزة وروى سعيد‏:‏ حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو‏,‏ عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك قال‏:‏ غزونا إلى طرف الشام‏,‏ فأمر علينا خالد بن الوليد فانضم إلينا رجل من أمداد حمير فقضى لنا أنا لقينا عدونا‏,‏ فقاتلونا قتالا شديدا وفي القوم رجل من الروم على فرس له أشقر‏,‏ وسرج مذهب ومنطقة ملطخة وسيف مثل ذلك‏,‏ فجعل يحمل على القوم ويغري بهم فلم يزل المددى يحتال لذلك الرومي حتى مر به‏,‏ فاستقفاه فضرب عرقوب فرسه بالسيف ثم وقع‏,‏ فأتبعه ضربا بالسيف حتى قتله فلما فتح الله الفتح أقبل بسلب القتيل وقد شهد له الناس أنه قاتله‏,‏ فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره فلما قدم المدينة استعدى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدعا خالدا‏,‏ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏ ما منعك يا خالد أن تدفع إلى هذا سلب قتيله‏؟‏ ‏"‏ قال‏:‏ استكثرته له قال‏:‏ ‏"‏ فادفعه إليه ‏"‏ وذكر الحديث رواه أبو داود‏.‏

أنه إنما يستحق السلب بشروط أربعة أحدها أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما إن قتل امرأة‏,‏ أو صبيا أو شيخا فانيا أو ضعيفا مهينا‏,‏ ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافا وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه‏,‏ لأنه يجوز قتله ومن قتل أسيرا له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك الثاني أن يكون المقتول فيه منعة‏,‏ غير مثخن بالجراح فإن كان مثخنا بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه وبهذا قال مكحول‏,‏ وجرير بن عثمان والشافعي لأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل وذفف عليه ابن مسعود‏,‏ فقضى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ولم يعط ابن مسعود شيئا وإن قطع يدي رجل ورجليه وقتله آخر‏,‏ فالسلب للقاطع دون القاتل لأن القاطع هو الذي كفى المسلمين شره وإن قطع يديه أو رجليه وقتله الآخر فالسلب للقاطع‏,‏ في أحد الوجهين لأنه عطله فأشبه الذي قتله والثاني سلبه في الغنيمة لأنه إن كانت رجلاه سالمتين‏,‏ فإنه يعدو ويكثر وإن كانت يداه سالمتين فإنه يقاتل بهما‏,‏ فلم يكف القاطع شره كله ولا يستحق القاتل سلبه لأنه مثخن بالجراح وإن قطع يده ورجله من خلاف فكذلك وإن قطع إحدى يديه وإحدى رجليه‏,‏ ثم قتله آخر فسلبه غنيمة ويحتمل أنه للقاتل لأنه قاتل لمن لم يكف المسلمين شره وإن عانق رجل رجلا فقتله آخر‏,‏ فالسلب للقاتل وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي‏:‏ هو للمعانق ولنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من قتل قتيلا فله سلبه‏)‏ ولأنه كفى المسلمين شره‏,‏ فأشبه ما لو لم يعانقه الآخر وكذلك لو كان الكافر مقبلا على رجل يقاتله فجاء آخر من ورائه‏,‏ فضربه فقتله فسلبه لقاتله بدليل قصة قتيل أبي قتادة الثالث‏,‏ أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول قال أحمد‏:‏ لا يكون السلب إلا للقاتل وإن أسر رجلا لم يستحق سلبه سواء قتله الإمام أو لم يقتله وقال مكحول‏:‏ لا يكون السلب إلا لمن أسر علجا أو قتله وقال القاضي‏:‏ إذا أسر رجل‏,‏ فقتله الإمام صبرا فسلبه لمن أسره لأن الأسر أصعب من القتل فإذا استحق سلبه بالقتل‏,‏ كان تنبيها على استحقاقه بالأسر قال‏:‏ وإن استبقاه الإمام كان له فداؤه أو رقبته وسلبه‏,‏ لأنه كفى المسلمين شره ولنا أن المسلمين أسروا أسرى يوم بدر فقتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عقبة والنضر بن الحارث‏,‏ واستبقى سائرهم فلم يعط من أسرهم أسلابهم ولا فداءهم‏,‏ وكان فداؤهم غنيمة ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما جعل السلب للقاتل وليس الآسر بقاتل ولأن الإمام مخير في الأسرى‏,‏ ولو كان لمن أسره كان أمره إليه دون الإمام الرابع أن يغرر بنفسه في قتله‏,‏ فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله فلا سلب له قال أحمد‏:‏ السلب للقاتل إنما هو في المبارزة‏,‏ لا يكون في الهزيمة وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه فالسلب في الغنيمة لأنهم لم يغرروا بأنفسهم في قتله وإن اشترك في قتله اثنان فظاهر كلام أحمد أن سلبه غنيمة‏,‏ فإنه قال في رواية حرب‏:‏ له السلب إذا انفرد بقتله وحكى أبو الخطاب عن القاضي‏,‏ إنهما يشتركان في سلبه لقوله‏:‏ ‏(‏من قتل قتيلا فله سلبه‏)‏ وهذا يتناول الواحد والجماعة ولأنهما اشتركا في السبب‏,‏ فاشتركا في السلب ولنا أن السلب إنما يستحق بالتغرير في قتله ولا يحصل ذلك بقتل الاثنين‏,‏ فلم يستحق به السلب كما لو قتله جماعة ولم يبلغنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرك بين اثنين في سلب فإن اشترك اثنان في ضربه‏,‏ وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر فالسلب له لأن أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء‏,‏ وأتيا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبراه فقال‏:‏ ‏(‏كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح‏)‏ وإن انهزم الكفار كلهم فأدرك إنسان منهزما منهم‏,‏ فقتله فلا سلب له لأنه لم يغرر في قتله وإن كانت الحرب قائمة فانهزم أحدهم فقتله إنسان‏,‏ فسلبه لقاتله لأن الحرب فر وكر وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة للكفار وهو منهزم ‏(‏فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ من قتله‏؟‏ قالوا‏:‏ سلمة بن الأكوع قال‏:‏ له سلبه أجمع‏)‏ وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وداود‏,‏ وابن المنذر‏:‏ السلب لكل قاتل لعموم الخبر واحتجاجا بحديث سلمة هذا ولنا أن ابن مسعود ذفف على أبي جهل‏,‏ فلم يعطه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سلبه وأمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبرا ولم يعط سلبهما من قتلهما‏,‏ وقتل بني قريظة صبرا فلم يعط من قتلهم أسلابهم وإنما أعطى السلب من قتل مبارزا‏,‏ أو كفى المسلمين شره وغرر في قتله والمنهزم بعد انقضاء الحرب‏,‏ قد كفى المسلمين شر نفسه ولم يغرر قاتله بنفسه في قتله فلم يستحق سلبه كالأسير وأما الذي قتله سلمة‏,‏ فكان متحيزا إلى فئة وكذلك من قتل حال قيام الحرب فإنه إن كان منهزما فهو متحيز إلى فئة‏,‏ وراجع إلى القتال فأشبه الكار فإن القتال فر وكر إذا ثبت هذا‏,‏ فإنه لا يشترط في استحقاق السلب أن تكون المبارزة بإذن الأمير لأن كل من قضى له بالسلب في عصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس فيهم من نقل إلينا أنه أذن له في المبارزة مع أن عموم الخبر يقتضي استحقاق السلب لكل قاتل إلا من خصه الدليل‏.‏

أن السلب لا يخمس روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وبه قال الشافعي‏,‏ وابن المنذر وابن جرير وقال ابن عباس‏:‏ يخمس وبه قال الأوزاعي ومكحول لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وقال إسحاق‏:‏ إن استكثر الإمام السلب خمسه وذلك إليه لما روى ابن سيرين‏,‏ أن البراء بن مالك بارز مرزبان الزأرة بالبحرين فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه‏,‏ فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره فقال‏:‏ إنا كنا لا نخمس السلب‏,‏ وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء رواه سعيد في السنن وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفا ولنا ما روي عوف بن مالك‏,‏ وخالد بن الوليد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب رواه أبو داود وعموم الأخبار التي ذكرناها‏,‏ وخبر عمر حجة لنا فإنه قال‏:‏ إنا كنا لا نخمس السلب وقول الراوي‏:‏ كان أول سلب خمس في الإسلام يعني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا‏,‏ واتباع ذلك أولى قال الجوزجاني‏:‏ لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيء إلا اتباعه ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية وإذا ثبت هذا فإن السلب من أصل الغنيمة وقال مالك‏:‏ يحتسب من خمس الخمس ولنا‏,‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قضى بالسلب للقاتل مطلقا ولم ينقل عنه أنه احتسب به من خمس الخمس ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس‏,‏ احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يكن من خمس الخمس‏,‏ كسهم الفارس والراجل‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏والدابة وما عليها من آلتها من السلب إذا قتل وهو عليها وكذلك ما عليه من السلاح والثياب وإن كثر‏,‏ فإن كان معه مال لم يكن من السلب وقد روي عن أبي عبد الله ـرحمه اللهـ رواية أخرى أن الدابة ليست من السلب‏]‏

وجملته أن السلب ما كان القتيل لابسا له من ثياب‏,‏ وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع‏,‏ ومغفر وبيضة وتاج‏,‏ وأسورة ورأن وخف بما في ذلك من حلية‏,‏ ونحو ذلك لأن المفهوم من السلب اللباس وكذلك السلاح من السيف والرمح‏,‏ والسكين واللت ونحوه‏,‏ لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس وكذلك الدابة لأنه يستعين بها‏,‏ فهي كالسلاح وأبلغ منه ولذلك استحق بها زيادة السهمان بخلاف السلاح فأما المال الذي معه في كمرانه وخريطته‏,‏ فليس بسلب لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به في الحرب وكذلك رحله وأثاثه‏,‏ وما ليست يده عليه من ماله ليس من سلبه وبهذا قال الأوزاعي ومكحول والشافعي‏,‏ إلا أن الشافعي قال‏:‏ ما لا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار‏,‏ والطوق والهميان الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لأنه مما لا يستعان به في الحرب‏,‏ فأشبه المال الذي في خريطته ولنا أن في حديث البراء أنه بارز مرزبان الزأرة‏,‏ فقتله فبلغ سواراه ومنطقته ثلاثين ألفا فخمسه عمر‏,‏ ودفعه إليه وفي حديث عمرو بن معدي كرب أنه حمل على أسوار فطعنه فدق صلبه فصرعه‏,‏ فنزل إليه فقطع يده وأخذ سوارين كانا عليه ويلمقا من ديباج‏,‏ وسيفا ومنطقة فسلم له ذلك ولأنه ملبوس له‏,‏ فأشبه ثيابه ولأنه داخل في اسم السلب فأشبه الثياب والمنطقة‏,‏ ويدخل في عموم قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏فله سلبه‏)‏ واختلفت الرواية عن أحمد في الدابة فنقل عنه أنها ليست من السلب وهو اختيار أبى بكر لأن السلب ما كان على يديه‏,‏ والدابة ليست كذلك فلا يدخل في الخبر قال‏:‏ وذكر عبد الله حديث عمرو بن معدي كرب فأخذ سواريه ومنطقته ولم يذكر فرسه ولنا ما روى عوف بن مالك‏,‏ قال‏:‏ ‏"‏ خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن‏,‏ فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب‏,‏ وسلاح مذهب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة‏,‏ فمر به الرومي فعرقب فرسه فعلاه فقتله‏,‏ وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد‏,‏ فأخذ من السلب قال عوف‏:‏ فأتيته فقلت له‏:‏ يا خالد أما علمت أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قضى بالسلب للقاتل‏؟‏ قال‏:‏ بلى رواه الأثرم وفي حديث شبر بن علقمة‏,‏ أنه أخذ فرسه كذلك قال أحمد‏:‏ هو فيه ولأن الفرس يستعان بها في الحرب فأشبهت السلاح وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت‏,‏ فإنها من السلب وليست ملبوسة إذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتجفيفها‏,‏ وحلية إن كانت عليها وجميع آلتها من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب‏,‏ وإنما يكون من السلب إذا كان راكبا عليها فإن كانت في منزله أو مع غيره أو منفلتة‏,‏ لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وإن كان راكبا عليها فصرعه عنها‏,‏ أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب وهكذا قول الأوزاعي وإن كان ممسكا بعنانها‏,‏ غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان إحداهما من السلب وهو قول الشافعي لأنه متمكن من القتال عليها‏,‏ فأشبهت سيفه أو رمحه في يده والثانية ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال لأنه ليس براكب عليها‏,‏ فأشبه ما لو كانت مع غلامه وإن كان على فرس وفي يده جنيبة لم تكن الجنيبة من السلب‏,‏ لأنه لا يمكنه ركوبهما معًا‏.‏

فصل‏:‏

ولا تقبل دعوى القتل إلا ببينة وقال الأوزاعي‏:‏ يعطي السلب إذا قال‏:‏ أنا قتلته ولا يسأل بينة لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل قول أبي قتادة ولنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من قتل قتيلا له عليه بينة‏,‏ فله سلبه‏)‏ متفق عليه وأما أبو قتادة فإن خصمه أقر له فاكتفى بإقراره قال أحمد‏:‏ ولا يقبل إلا شاهدان وقال طائفة من أهل الحديث‏:‏ يقبل شاهد ويمين لأنها دعوى في المال ويحتمل أن يقبل شاهد بغير يمين لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل قول الذي شهد لأبي قتادة من غير يمين ووجه الأول‏,‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اعتبر البينة وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين ولأنها دعوى للقتل‏,‏ فاعتبر شاهدان كقتل العمد‏.‏

فصل‏:‏

ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة وهذا قول الأوزاعي وكرهه الثوري وابن المنذر‏,‏ لما فيه من كشف عوراتهم ولنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قتيل سلمة بن الأكوع‏:‏ ‏(‏له سلبه أجمع وقال‏:‏ من قتل قتيلا فله سلبه‏)‏ وهذا يتناول جميعه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏(‏ ومن أعطاهم الأمان منا من رجل أو امرأة‏,‏ أو عبد جاز أمانه ‏)‏ وجملته أن الأمان إذا أعطى أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار‏,‏ ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا وبهذا قال الثوري والأوزاعي‏,‏ والشافعي وإسحاق وابن القاسم‏,‏ وأكثر أهل العلم وروى ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف‏:‏ لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له في القتال لأنه لا يجب عليه الجهاد‏,‏ فلا يصح أمانه كالصبي ولأنه مجلوب من دار الكفر‏,‏ فلا يؤمن أن ينظر لهم في تقديم مصلحتهم ولنا ما روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما‏,‏ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل‏)‏ رواه البخاري وروى فضيل بن يزيد الرقاشي قال‏:‏ جهز عمر بن الخطاب جيشا‏,‏ فكنت فيه فحصرنا موضعا فرأينا أنا سنفتحها اليوم‏,‏ وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه‏,‏ فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم‏,‏ فأخذوها وخرجوا فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب‏,‏ فقال‏:‏ العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم رواه سعيد ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه‏,‏ كالحر وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا أذن له القتال فإنه يصح أمانه وبالمرأة‏,‏ فإن أمانها يصح في قولهم جميعا قالت عائشة‏:‏ إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز وعن أم هانئ أنها قالت‏:‏ يا رسول الله‏,‏ إني أجرت أحمائي وأغلقت عليهم وإن ابن أمي أراد قتلهم فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ‏,‏ إنما يجهر على المسلمين أدناهم‏)‏ رواهما سعيد وأجارت زينب بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ

فصل‏:‏

ويصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره لدخوله في عموم الخبر ولأنه مسلم مكلف مختار‏,‏ فأشبه غير الأسير وكذلك أمان الأجير والتاجر في دار الحرب وبهذا قال الشافعي وقال الثوري‏:‏ لا يصح أمان أحد منهم ولنا عموم الحديث والقياس على غيرهم فأما الصبي المميز فقال ابن حامد‏:‏ فيه روايتان إحداهما‏,‏ لا يصح أمانه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه غير مكلف ولا يلزمه بقوله حكم‏,‏ فلا يلزم غيره كالمجنون والرواية الثانية يصح أمانه وهو قول مالك وقال أبو بكر‏:‏ يصح أمانه‏,‏ رواية واحدة وحمل رواية المنع على غير المميز واحتج بعموم الحديث ولأنه مسلم مميز‏,‏ فصح أمانه كالبالغ وفارق المجنون‏,‏ فإنه لا قول له أصلا‏.‏

فصل‏:‏

ولا يصح أمان كافر وإن كان ذميا لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم‏)‏ فجعل الذمة للمسلمين‏,‏ فلا تحصل لغيرهم ولأنه متهم على الإسلام وأهله فأشبه الحربي ولا يصح أمان مجنون‏,‏ ولا طفل لأن كلامه غير معتبر ولا يثبت به حكم ولا يصح أمان زائل العقل‏,‏ بنوم أو سكر أو إغماء لذلك ولأنه لا يعرف المصلحة من غيرها فأشبه المجنون ولا يصح من مكره لأنه قول أكره عليه بغير حق‏,‏ فلم يصح كالإقرار‏.‏

فصل‏:‏

ويصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم لأن ولايته عامة على المسلمين ويصح أمان الأمير لمن أقيم بإزائه من المشركين فأما في حق غيرهم‏,‏ فهو كآحاد المسلمين لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم ويصح أمان آحاد المسلمين للواحد والعشرة‏,‏ والقافلة الصغيرة والحصن الصغير لأن عمر رضي الله عنه أجاز أمان العبد لأهل الحصن الذي ذكرنا حديثه ولا يصح أمانه لأهل بلدة ورستاق‏,‏ وجمع كثير لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام‏.‏

فصل‏:‏

ويصح أمان الإمام للأسير بعد الاستيلاء عليه لأن عمر رضي الله عنه لما قدم عليه بالهرمزان أسيرا قال‏:‏ لا بأس عليك‏,‏ ثم أراد قتله فقال له أنس‏:‏ قد أمنته فلا سبيل لك عليه وشهد الزبير بذلك‏,‏ فعدوه أمانا رواه سعيد ولأن للإمام المن عليه والأمان دون ذلك فأما آحاد الرعية فليس له ذلك وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب‏,‏ أنه يصح أمانه لأن زينب ابنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع بعد أسره فأجاز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمانها وحكي هذا عن الأوزاعي ولنا أن أمر الأسير مفوض إلى الإمام‏,‏ فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنعه ذلك كقتله وحديث زينب في أمانها إنما صح بإجازة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ

فصل‏:‏

وإذا شهد للأسير اثنان أو أكثر من المسلمين‏,‏ أنهم أمنوه قبل إذا كانوا بصفة الشهود وقال الشافعي‏:‏ لا تقبل شهادتهم لأنهم يشهدون على فعل أنفسهم ولنا‏,‏ أنهم عدول من المسلمين غير متهمين شهدوا بأمانه‏,‏ فوجب أن يقبل كما لو شهدوا على غيرهم أنه أمنه وما ذكروه لا يصح فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل شهادة المرضعة على فعلها في حديث عقبة بن الحارث وإن شهد واحد إني أمنته فقال القاضي‏:‏ قياس قول أحمد‏,‏ أنه يقبل كما لو قال الحاكم بعد عزله‏:‏ كنت حكمت لفلان على فلان بحق قبل قوله وعلى قول أبي الخطاب‏:‏ يصح أمانه فقبل خبره به‏,‏ كالحاكم في حال ولايته وهذا قول الأوزاعي ويحتمل أن لا يقبل لأنه ليس له أن يؤمنه في الحال فلم يقبل إقراره به كما لو أقر بحق على غيره وهذا قول الشافعي‏,‏ وأبي عبيدة‏.‏

فصل‏:‏

إذا جاء المسلم بمشرك ادعى أنه أسره وادعى الكافر أنه أمنه ففيها ثلاث روايات إحداهن‏,‏ القول قول المسلم لأن الأصل معه فإن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان والثانية القول‏,‏ قول الأسير لأنه يحتمل صدقه وحقن دمه فيكون هذا شبهة تمنع من قتله وهذا اختيار أبي بكر والثالثة يرجع إلى قول من ظاهر الحال يدل على صدقه فإن كان الكافر ذا قوة‏,‏ معه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفا مسلوبا سلاحه‏,‏ فالظاهر كذبه فلا يلتفت إلى قوله وقال أصحاب الشافعي‏:‏ لا يقبل قوله وإن صدقه المسلم لأنه لا يقدر على أمانه فلا يقبل إقراره به ولنا أنه كافر‏,‏ لم يثبت أسره ولا نازعه فيه منازع فقبل قوله في الأمان‏,‏ كالرسول‏.‏

فصل‏:‏

ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام وجب أن يعطاه ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم في هذا خلافا وبه قال قتادة‏,‏ ومكحول والأوزاعي والشافعي وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس وذلك لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ قال الأوزاعي‏:‏ هي إلى يوم القيامة ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يؤمن رسل المشركين ولما جاءه رسولا مسيلمة‏,‏ قال‏:‏ ‏(‏لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما‏)‏ ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا‏,‏ فتفوت مصلحة المراسلة ويجوز عقد الأمان لكل واحد منهما مطلقا ومقيدا بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة‏,‏ فإنها لا تجوز إلا مقيدة لأن في جوازها مطلقا تركا للجهاد وهذا بخلافه قال القاضي‏:‏ ويجوز أن يقيموا مدة الهدنة بغير جزية قال أبو بكر‏:‏ وهذا ظاهر كلام أحمد لأنه قيل له‏:‏ قال الأوزاعي‏:‏ لا يترك المشرك في دار الإسلام إلا أن يسلم أو يؤدي فقال أحمد إذا أمنته فهو على ما أمنته وظاهر هذا أنه خالف قول الأوزاعي وقال أبو الخطاب‏:‏ عندي أنه لا يجوز أن يقيم سنة بغير جزية وهذا قول الأوزاعي‏,‏ والشافعي لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏‏.‏ ووجه الأول أن هذا كافر أبيح له الإقامة في دار الإسلام من غير التزام جزية‏,‏ فلم تلزمه جزية كالنساء والصبيان ولأن الرسول لو كان ممن لا يجوز أخذ الجزية منه‏,‏ يستوي في حقه السنة وما دونها في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين فإذا جازت له الإقامة في إحداهما‏,‏ جازت في الأخرى قياسا لها عليها وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يعطوا الجزية‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏‏.‏ أي يلتزمونها ولم يرد حقيقة الإعطاء‏,‏ وهذا مخصوص منها بالاتفاق فإنه يجوز له الإقامة من غير التزام لها ولأن الآية تخصصت بما دون الحول‏,‏ فنقيس على المحل المخصوص‏.‏

فصل‏:‏

وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلما أو ذميا أو أقرضهما إياه‏,‏ ثم عاد إلى دار الحرب نظرنا فإن دخل تاجرا أو رسولا‏,‏ أو متنزها أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام فهو على أمانه في نفسه وماله لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام‏,‏ فأشبه الذمي إذا دخل لذلك وإن دخل مستوطنا بطل الأمان في نفسه‏,‏ وبقي في ماله لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله لاختصاص المبطل بنفسه‏,‏ فيخص البطلان به فإن قتل‏:‏ فإنما يثبت الأمان لماله تبعا فإذا بطل في المتبوع بطل في التبع قلنا‏:‏ بل يثبت له الأمان لمعني وجد فيه‏,‏ وهو إدخاله معه وهذا يقتضي ثبوت الأمان له وإن لم يثبت في نفسه بدليل ما لو بعثه مع مضارب له أو وكيل‏,‏ فإنه يثبت الأمان ولم يثبت الأمان في نفسه ولم يوجد فيه ها هنا ما يقتضي الأمان فيه‏,‏ فبقي على ما كان عليه ولو أخذه معه إلى دار الحرب لنقض الأمان فيه كما ينتقض في نفسه لوجود المبطل منهما فإذا ثبت هذا‏,‏ فإن صاحبه إن طلبه بعث إليه وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو غيرهما صح تصرفه وإن مات في دار الحرب انتقل إلى وارثه‏,‏ ولم يبطل الأمان فيه وقال أبو حنيفة‏:‏ يبطل فيه وهو قول الشافعي لأنه قد صار لوارثه ولم يعقد فيه أمانا فوجب أن يبطل فيه‏,‏ كسائر أمواله ولنا أن الأمان حق له لازم متعلق بالمال فإذا انتقل إلى الوارث‏,‏ انتقل لحقه كسائر الحقوق من الرهن والضمين‏,‏ والشفعة وهذا اختيار المزني ولأنه مال له أمان فينتقل إلى وارثه مع بقاء الأمان فيه كالمال الذي مع مضاربه وإن لم يكن له وارث‏,‏ صار فيئا لبيت المال فإن كان له وارث في دار الإسلام فقال القاضي‏:‏ لا يرثه لاختلاف الدارين والأولى أنه يرثه لأن ملتهما واحدة‏,‏ فيرثه كالمسلمين وإن مات المستأمن في دار الإسلام فهو كما لو مات في دار الحرب‏,‏ سواء لأن المستأمن حربي تجري عليه أحكامهم وإن رجع إلى دار الحرب فسبى واسترق فقال القاضي‏:‏ يكون ماله موقوفًا حتى يعلم آخر أمره‏,‏ بموت أو غيره فإن مات كان فيئًا لأن الرقيق لا يورث وإن عتق كان له‏,‏ وإن لم يسترق ولكن من عليه الإمام أو فاداه‏,‏ فماله له وإن قتله فماله لورثته‏,‏ وإن لم يسب ولكن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه لأن ثبوت الأمان لماله لا يثبت الأمان له‏,‏ كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب‏.‏